ترك بطل مسلسله يكتب دوره واكتفى بالفرجه.. سقطات مؤلف تحت الطلب
في سالف العهد، كان للمؤلف مكانة لا تُنكر، وللكاتب هيبة لا تُمس .. كانت الكلمة التي يخطها على الورق أشبه بعهد لا يُنقض، ورؤية لا يجرؤ أحد على العبث بها.
ولعل التاريخ الفني لا يزال يحتفظ بقصص كبار المبدعين الذين فضلوا الابتعاد عن النجوم على أن يتنازلوا عن سطر كتبوه أو فكرة آمنوا بها، فمنهم من اعتذر عن التعاون مع الزعيم عادل إمام حين طلب منه تعديل نصه، ومنهم من رفض أن يضيف الإمبراطور أحمد زكي كلمة واحدة إلى عمل أتمه صاحبه كما أراد.
أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال وتغيرت الموازين، وصار الممكن أبعد من حدود المنطق، والممنوع متاحا، خاصة إذا كان ذلك كفيلا برضا البطل عن مؤلفه اللين سهل المراس، دون أن يتخلى عنه .. ففي هذا الزمن، تحول بعض الكُتاب – وليس جميعهم بالطبع – من أصحاب رؤية إلى مجرد منفذين، ومن صناع حكايات إلى أدوات تُدار وفق رغبات النجوم وأهوائهم .. قد يبدو هذا الكلام قاسيًا أو مبالغًا فيه، لكن الحقيقة في بعض الأحيان أشد قسوة من الوصف نفسه.
والحكاية هنا تخص كاتبًا اعتاد خلال السنوات الأخيرة الارتباط فنيًا بأبطال بعينهم ورغم أن اسمه يتصدر تترات الأعمال بوصفه المؤلف، إلا أن الواقع مغاير تمامًا للظنون .. فمع مرور أيام تصوير أحد مسلسلاته، لم يعد المؤلف هو صاحب الحكاية، بل تحول إلى متفرج يتابع تطورات العمل كما يتابعها الجمهور، يكتشف الأحداث الجديدة حين تكتب، ويُفاجأ بالمسارات الدرامية التي تُضاف أو تُعدل دون أن يكون له فيها رأي أو قرار.
ومع تتابع حلقات المسلسل، وصل الأمر إلى مرحلة أكثر غرابة، إذ أوكل البطل إلى مؤلفه المطيع مهمة كتابة الخطوط الدرامية الثانوية الخاصة ببقية الممثلين، بينما احتفظ لنفسه بحق كتابة خطه الدرامي وشخصيته الرئيسية، مبررًا ذلك بأنه الأقدر على فهم الشخصية التي يجسدها والأكثر دراية بتفاصيلها.
والأغرب أن الكاتب لم يناقش، ولم يعترض، ولم يتمسك بحقه الطبيعي كصاحب العمل، بل استجاب للأمر على الفور، واكتفى بكتابة مشاهد الشخصيات الأخرى بعيدًا عن البطل والبطلة، وهو ما أثار استياء بعض المشاركين في العمل، بعدما فوجئوا بحذف مشاهد كاملة كان من المفترض أن تجمعهم بالأبطال الرئيسيين، لكن اعتراضاتهم ذهبت أدراج الرياح، لأن أوامر النجم كانت تُعامل وكأنها فرمان لا يجوز مخالفته أو حتى مناقشته.
ورغم كل هذا العبث ورغم هذا التنازل الصريح عن أبسط قواعد المهنة، خرج الكاتب نفسه بعد انتهاء العرض ليتحدث بفخر عما قدمه، ويشيد بما كتبه، بل ويؤكد أن مسلسله كان الأكثر مشاهدة بين الأعمال المنافسة .. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت الأحداث الرئيسية لم يكتبها، وإذا كان صاحب الاسم على التترات قد تخلى عن دوره الحقيقي واكتفى بكتابة الهوامش، فأي فضل يمكن أن يُنسب إليه في نجاح العمل؟ وما علاقة المؤلف أصلًا بحكاية لم يكتب أهم فصولها؟!.





