خواطر مجزية .. بكره كلمة «أستاذ»!
أول ما حد يقولي: «يا أستاذ مجدي»…
ببص حواليّا أشوف هو بيكلم مين!
وبعدين أقول لنفسي:
هو أنا عجزت؟
ولا راحت عليّا؟
ولا الراجل بيبلغني بطريقة مهذبة إن جيلي اتحط على الرف؟!
وطبعًا أنا مش قصدي السن…
أنا قصدي الدفعة!
لأني أعرف ناس من دفعتي، وناس بعدي بعشر سنين، لو ناديت الواحد فيهم باسمه بس، يبص لك كأنك أسقطت عنه رتبة عسكرية!
لازم تقول: «الأستاذ فلان» وتقف مظبوط وانت بتقولها، ويا سلام لو خدت نفسًا صغيرًا قبل الاسم لإعطاء اللقب حقه من الهيبة!
أما أنا، فطول عمري الناس القريبة مني بتناديني «يا مجز»، واللي شغالين معايا يقولوا «يا كوتش»، وبنتي تقول لي «يا مجدي»…عادي .
وكلها أسماء أحبها وأصدقها وأحس إنها تخصني، إنما أول ما أسمع «يا أستاذ»، أحس إن بيني وبين اللي قدامي مكتبًا كبيرًا، وسكرتيرًا، ونظارة قراءة، وصورة قديمة بالأبيض والأسود معلّقة على الحائط!
والحقيقة إن مشكلتي مش مع الكلمة، مشكلتي مع إننا حوّلنا «الأستاذية» من قيمة إلى لقب، ومن أثر إلى نداء، ومن شهادة يمنحها لك الناس إلى رتبة يمنحها الإنسان لنفسه!
الأستاذية في رأيي لم تكن يومًا في العمر، ولا في عدد السنين، ولا في الكرسي الذي تجلس عليه، ولا في عدد الناس التي تقف عندما تدخل.
الأستاذية تبدأ عندما تقول كلمة في مجالك فتقنع، وتكشف شيئًا لم ينتبه إليه غيرك، وتعلّم من غير أن تتعالى، وتختلف من غير أن تهين، ويكون رأيك سديدًا حتى لو لم يكن مريحًا.
الأستاذ الحقيقي لا يقول لك: «أنا أستاذك»، أنت الذي تكتشف، مع الوقت، أنك أصبحت تلميذه.
عندما تقرأ لنجيب محفوظ وتجد نفسك ترى الحارة والناس والنفس البشرية بطريقة لم تكن تراها من قبل، فهو أستاذك، حتى لو لم تقابله.
وعندما تسمع أم كلثوم فتفهم أن الغناء ليس صوتًا جميلًا فقط، بل اختيار كلمة، واحترام لحن، وإدارة إحساس، وسيطرة على جمهور كامل، فأنت أمام أستاذة؛ لم تحتج إلى أن تكتب اللقب على غلاف الأسطوانة.
وعندما تشاهد تشارلي تشابلن يضحكك من قلب الوجع، تفهم أن الكوميديا قد تكون أعمق من الخطب، فيصبح أستاذًا من غير محاضرة.
وعندما تشاهد فيلمًا لهيتشكوك، فتكتشف أنه جعلك تخاف قبل أن يُريك ما تخاف منه، تعرف أن الإخراج ليس كاميرا وحركة ممثلين فقط؛ وأن الرجل علّم أجيالًا كاملة كيف يُصنع التوتر.
وعندما ترى مارادونا أو ميسي يفعلان بالكرة ما لا تستطيع كتب التدريب شرحه، تعرف أن بعض الأساتذة يشرحون بأقدامهم.
وعندما يغيّر بيكاسو نظرة العالم إلى الشكل، أو يفتح أينشتاين بابًا جديدًا لفهم الكون، فالأستاذية هنا لم تعد لقبًا؛ أصبحت أثرًا غيّر المجال، وجعل كل من أتى بعده مضطرًا أن يتوقف أمامه.
إذن كل واحد من هؤلاء كان أستاذًا في اللحظة التي قدّم فيها ما يجعلنا نتعلم، لا في اللحظة التي ناداه فيها أحد باللقب.
وأفتكر مرة كنت قاعد مع يوسف شاهين، وقلت له ببساطة: «يا جو…»، بصّ لي باستغراب! كان كل الناس تقريبًا بيقولوا له: «يا أستاذ»، وهو كان عايز يعرف أنا ليه بقوله «جو» عادي كده.
قلت له: «بص يا جو… إنت أستاذ لما بتفرج على أفلامك، إنما لما بشوفك، بحس إنك صاحبي… وأصغر مني كمان!» وفعلا كان روحه روح طفل، ضحك… وهنا وصلت الفكرة.
يوسف شاهين لم يكن أستاذًا لأن الناس كانت تناديه «يا أستاذ»، كان أستاذًا لأنك عندما تشاهد فيلمًا له، تشعر أن وراء الكاميرا عقلًا عنده سؤال، ورؤية، وجرأة، وحاجة عايز يقولها بطريقته.
تشاهد الفيلم فتختلف معه أو تتفق، تحبه أو تغضب منه، لكنك لا تخرج كما دخلت، وهنا فقط يستحق الإنسان لقب الأستاذ.
أما عندما أجلس معه، فهو «جو»، إنسان خفيف، مشاغب، فضولي، متحمس، يمكن أن يتكلم معك كطفل اكتشف لعبة جديدة.
والطريف أن هذه الروح نفسها كانت أحد أسرار أستاذيته؛ لأنه لم يتعامل مع نفسه كتمثال، ولم يعتقد أن الأستاذ يجب أن يشيخ من الداخل أو يتوقف عن السؤال.
يمكن أجمل ما في الأستاذ الحقيقي أنه لا يشعر بأن الرحلة انتهت، يظل يتعلم، ويجرب، ويخطئ، ويندهش، بينما بعض الناس، بمجرد أن يسمعوا كلمة «أستاذ» مرتين، يعتبرون أنفسهم وصلوا… فيتوقفون!
وهنا الفرق الكبير: هناك من يجمع الألقاب.. وهناك من يصنع التلاميذ.
هناك من يريدك أن تناديه «أستاذ».. وهناك من يجعلك تتعلم منه من غير أن يطلب.
هناك من يضع اللقب قبل اسمه.. وهناك من يضع عمله أمامك، ويترك لك أنت اختيار اللقب.
والأستاذية ليست معناها أن يقلّدك الآخرون أو يتحولوا إلى نُسخ منك، الأستاذ الحقيقي هو الذي يساعد كل تلميذ أن يجد صوته هو، وطريقته هو، ومكانه هو لا يريد أتباعًا يصفقون له؛ يريد أجيالًا تتجاوزه، وإلا فما الذي علّمه لهم؟
يمكن الأستاذ الحقيقي يفرح عندما يرى تلميذه أفضل منه، أما صاحب اللقب فقط، فيقلق عندما يرى أحدًا يقترب منه!
وعشان كده أنا بكره كلمة «أستاذ» عندما تُقال كمجاملة فارغة، أو تُطلب كحق مكتسب، أو تُستخدم لصنع مسافة وهمية بين الناس.
لكنني أحترمها جدًا عندما تأتي في مكانها، عندما يقولها تلميذ لإنسان غيّر له شيئًا في عقله أو قلبه أو طريقه. عندما تكون اعترافًا بالتأثير، لا بروتوكولًا في النداء.
الخلاصة:
الأستاذية مش إنك تختار لنفسك تلاميذ.. التلاميذ هم اللي يختاروك أستاذًا.
ومش إن الناس تقول لك: «يا أستاذ» وأنت داخل.. الأستاذية الحقيقية هي أن يظلوا يتعلمون منك بعدما تخرج. تاتي
الأستاذ مش اللي يختار اللقب لنفسه.. الأستاذ مش هو اللي يختاره تلاميذه.تلاميذه اللي بيختاروه .
لما يحبوا يسمعوه، ويتفرجوا على شغله، ويتعلموا منه، ويفضلوا فاكرينه حتى بعد ما يمشي.