خواطر مجزية.. الـProducer الصانع مش الـProducer الـATM
من أكثر الجمل التي ظلت تستوقفني طوال سنوات عملي في الفن، "الـProducer يعني اللي بيدفع الفلوس" كنت أبتسم كل مرة أسمعها، لكن الحقيقة أنني كنت على النقيض من الداخل، لأن جملة عابرة اختزلت مهنة كاملة، وفنا وخبرة ورؤية ومخاطرة وقرارات، في مجرد دفتر شيكات، وكأن الـProducer هو الـATM الخاص بالعمل الفني، تضع طلباتك فتخرج لك الأموال، "قال آه يبقى بيحب الفن، قال لأ يبقى بخيل".
وللأسف، ساهمت بعض الأعمال الفنية في ترسيخ هذه الصورة الكاريكاتيرية، للمنتج باعتباره الرجل الذي يحمل حقيبة مليئة بالأموال، يظهر من أجل إيفيه أو لخدمة أغراض أخرى، حتى أصبح في الوعي الجمعي أشبه بمن يستثمر أمواله في دكان بقالة، مع كامل احترامي للبقال.
لكن الـProducer الحقيقي ليس مجرد ممول، بل فنان وصانع رؤية، يوظف التمويل لخدمة رؤيته، لأن اختيار الفكرة والنص والمخرج والممثل المناسب للدور، وليس تفصيل الدور على مقاس الممثل، كلها قرارات، وكذلك الـFormat وحجم المشروع والسوق والـValue Production.
وفي الصناعات الكبرى، لا تقل أهمية الـProducer عن نجم العمل أو مخرجه، لأنه شريك أساسي في صناعة الرؤية وتحويل الفكرة إلى مشروع قابل للحياة، والغريب أننا حين نرى Format أجنبيا يتناول الجريمة أو موضوعا شائكا، نقول الله ونصفه بالجرأة ونشيد بصناعه، لكن حين تقدم الفكرة نفسها بأيد مصرية، يتحول الإعجاب إلى سؤال" ليه بنعمل كده" وكأن ما كان جريئا عند الآخر يصبح مرفوضا حين نصنعه نحن، وكأن عقدة الخواجة أصبحت أسلوب حياة حتى في الفن.
بدأت جزءا مهما من رحلتي كـProducer، وقدمت أفلاما أعتز بها مثل عبود على الحدود، الناظر، الباشا تلميذ، الوتر وغيرها، ثم أخذني الإخراج أكثر، ومع السنوات أدركت أن الـProducer ليس مخرجا فوق المخرج، والمخرج ليس صاحب العمل الوحيد، فالفن الحقيقي يولد حين يكمل الاثنان بعضهما.
ثم سألت نفسي" إيه اللي غاب عن الصناعة ومحتاج يرجع" وكانت الإجابة المسرح، ومن هنا جاءت كايرو شو، مراهنا على عودة المسرح كصناعة وجمهور وقد كان.
لكن الـProducer لا يعيش على نجاح تجربة قديمة، بل يسأل نفسه دوما " الصناعة رايحة فين.. مش أنا كنت فين" لذلك حين قررت أن يعود ال producer ، لم أرد العودة من حيث انتهيت، بل من حيث وصل العالم، والعالم اليوم يتحدث لغة الـFormats، ومن هنا جاءت القصة الكاملة دراما، كمحاولة لاستعادة معنى الـProducer الذي أؤمن به، ألا تمشي خلف السوق فقط، بل تفتح له بابا جديدا.
ومنذ أن أضاءت لي زوجتي دنيا عبد المعبود فكرة القصة الكاملة لسامح سند وكانت بمثابة الملهمة لي لأن هذة مهنة في الغرب اسمها format producer لم تكن إلى الآن عندنا في مصر، ولذلك قررت أن هذا المشروع هو من يصلح ليكون أول فورمات عربي مصري، وكتبت اسمها علي تترات المسلسل لتكون نقطة بداية في تاريخها المهني في هذا المجال بجانب مهنتها كا ستايلست شاطرة.
واختيار الدراما المستوحاة من وقائع حقيقية لم يكن استعراضا للجريمة، فالفن ليس منشور توعية، والرسالة كلما صرخت بها أكثر ربما سمعها الجمهور أقل، لذلك الأفضل للمشاهد أن يعيش داخل الحكاية، يرى ويشعر بالخوف والتوتر والتعاطف والغضب، ثم يكتشفها بنفسه، فالحديث عن الجريمة لا يصنعها، وتجاهلها لا يمحوها.
وفي النهاية، كيف تعرف نفسك كمنتج حقيقي؟ الإجابة بسيطة.. من الأثر، ماذا أضفت؟ هل اكتشفت فكرة؟ هل صنعت Format؟ هل قدمت طريقة مختلفة؟ هل خلقت قيمة أكبر من رقم الميزانية؟ فالـValue Production لا تعني أن تدفع أكثر، فأحيانا قرار ذكي يساوي ملايين، واختيار صحيح يوفر ملايين، ورؤية واضحة تجعل كل جنيه يظهر بقيمته.
والـProducer الحقيقي ليس من يدفع ثمن الإنتاج، بل من يخلق قيمة للمشروع، والأهم أن تمتد هذه القيمة إلى الصناعة، فيجرب آخرون، ويغامر Producers آخرون، وتظهر Formats جديدة، فتكون قد أضفت طريقا لا مجرد عمل ناجح.
وربما رأى البعض في القصة الكاملة دراما حكايات مستوحاة من وقائع حقيقية، أما أنا فرأيت فيها عودة إلى المهنة التي بدأت منها، بعين جديدة، لشيء كنت أفعله من 30 سنة .. لا لأعود من حيث انتهيت، بل من حيث وصل العالم.
فالـProducer ليس مهنة من لا مهنة له، ولا دفتر شيكات، ولا مجرد ممول، بل صانع وصاحب رؤية، وقيمته ليست في حجم الميزانية التي أنفقها، بل في القيمة التي خلقها.
وهذا بالنسبة لي هو الـProducer الصانع وليس الـProducer الـATM.
ويبقى السؤال الأصعب، ليه نستورد Format من العالم لما ممكن العالم نفسه يستورد Format من مصر؟.