كولونيا.. انتصار الصدق على ضجيج السينما
من قال إن منافسة السينما العالمية تحتاج إلى ميزانية ضخمة، أو مواقع تصوير مبهرة، أو مطاردات لا تتوقف؟ أحيانا تكفي شقة صغيرة بجدران متصدعة وباهتة، وحدوتة حقيقية ربما شهدنا عليها أو عشنا تفاصيل تشبهها، بجانب ممثلين يعرفون كيف ينقلون الألم بنظرة واحدة، ومخرج يفهم أن الكاميرا ليست مجرد أداة تصوير، بل وسيلة لنقل المشاعر كما هي.
عندها فقط يولد عمل قادر على عبور الحدود والوصول إلى العالمية، دون أكشن مبالغ فيه، أو 100 نجم كـ ضيوف شرف، لأن الصدق عندما يسيطر على الشاشة يصبح هو البطل الحقيقي، وهذا بالتحديد ما يقدمه فيلم كولونيا.
أحداث الفيلم
تدور أحداث فيلم كولونيا خلال ليلة واحدة، تبدأ بلقاء صادم بين أب وابنه بعد فترة من الغياب، لتكشف المواجهة عن صراع أجيال ممتد، وأسرار ومشاعر ظلت حبيسة بينهما، ومع تصاعد الأحداث، لا يبقى الصراع محصورا بين الأب والابن، بل ينتقل تدريجيا إلى علاقة الابن بشقيقه.
الانتصار الحقيقي
بعيدا عن القصة، يكمن الانتصار الحقيقي لكولونيا في الطريقة التي اختار بها المخرج أن يحكي بها الحكاية، فمنذ اللحظة الأولى يدرك المشاهد أنه أمام مخرج يثق في الصورة أكثر من الحوار، ويؤمن بأن نظرة صامتة قد تكون أبلغ من ألف كلمة، فاستغل ضيق المكان ليصنع حالة من الاختناق النفسي، وجعل الكاميرا تتحرك كأنها فرد آخر داخل الأسرة يراقب الانهيار بصمت.
إغراء الميلودراما
ورغم قسوة الأحداث والصدامات التي يحملها الفيلم، فإن الأداء جاء ناعما وبعيدا عن الانفعالات المفتعلة، وهو ما منح الشخصيات قدرا كبيرا من الواقعية، فلم نشاهد ممثلين يؤدون أدوارا، بل أشخاصا يشبهوننا في ضعفهم وتناقضاتهم.
لذلك بدا كل حوار وكل صمت صادقا، ووصلت مشاعر الفيلم إلى المشاهد دون الحاجة إلى المبالغة أو الاستعراض، وأعتقد أن أهم نقطة قوة في الفيلم هي أن المخرج لم يقع في إغراء الميلودراما، لأن أي مبالغة في الأداء أو في طريقة تقديم الصراع كانت ستدفع العمل إلى فخ الابتذال.
أداء الأبطال
أما على مستوى الأداء، سأبدأ بـ كامل الباشا، الفلسطيني صاحب الروح المصرية، الذي أرى أنه قدم أداء يحبس الأنفاس، ولو كانت جائزة الأوسكار بيدي لمنحتها له دون تردد، بعدما نجح في تجسيد شخصية شديدة التعقيد بصدق مذهل، ولم أشعر للحظة أنه يقل عن كبار نجوم هوليوود.
بينما يظهر أحمد مالك في واحد من أجمل وأصدق أدواره، مقدما شخصية تختلف تماما عن كل ما سبق وقدم، معتمدا على الهدوء والانفعال الداخلي أكثر من الأداء المباشر، وهو ما أضاف بعدا إنسانيا كبيرا للشخصية.
أما مايان السيد ففاجأتني بقدرتها على تجسيد فتاة تعيش ازدواجية بين ما تفرضه عليها أسرتها وما تختاره لنفسها خارج هذا الإطار، وهو ما يعكس اجتهادا واضحا في فهم تفاصيلها، ولا يمكن تجاهل عابد عناني، الذي قدم نموذجا مختلفا للشر، هادئا وخادعا ابتعد به تماما عن الصورة الكاريكاتيرية للشر التي اعتادت عليها كثير من الأعمال.





