الخلطة الناجحة في «بنج كلي».. عندما تتحدث الدراما بلغة الواقع
مقال رأي
دائما ما تلمسنا الأعمال التي تضعنا في أجواء الصراع مع المرض بشكل مختلف، لأنها تصحي بداخلنا مشاعر الخوف من أن نجد أنفسنا يوما على سرير في مستشفى، أو تعيد إلينا ذكريات أشخاص نعرفهم مروا بالتجربة نفسها، سواء تعافوا وخرجوا منها أو رحلوا عن عالمنا، ومن هنا يأتي تأثير بنج كلي، الذي اختار أن يدخل بنا إلى عالم المستشفيات من زاوية إنسانية، ويمزجها بخطوط درامية تجمع بين التشويق والصراعات البشرية.
قدمت المخرجة نادين خان كل شخصية بذكاء إبداعي، بداية من الأبطال وحتى الشخصيات الثانوية، بتفاصيل صغيرة تجعلنا نشعر أننا تعاملنا معهم من قبل، سواء في المستشفى أو في حياتنا اليومية، والأهم أنها لم تلق بالصراعات كلها دفعة واحدة، وإنما قدمتها بالتدريج، وهو ما يحسب لها بشدة، لأن ذلك لم يؤثر على إيقاع المسلسل، بل جعل كل حلقة تمهد لما بعدها بسلاسة لا تخلو من الإثارة، حتى وجدنا أنفسنا ننتقل من صراع إلى آخر من دون أن نشعر بأن الأحداث تجر نفسها أو تبحث عن مط للأحداث، وهو ما منح بنج كلي إيقاعا متزنا رغم تعدد خطوطه، خاصة أن العمل اختار أن يغوص في كواليس المستشفيات والصراعات المهنية والشخصية التي تدور خلف أبوابها.
أما على مستوى الأداء، فتثبت سلمى أبو ضيف طوال الوقت أنها تجتهد بحثا عن الجديد، والأهم أنها تنجح في كل مرة وتحصد نتيجة هذا الاجتهاد، وفي بنج كلي قدمت شخصية دعاء بحضور جعلها قريبة من المشاهد وقادرة على حمل الجانب الأكبر من الأحداث، أما دياب، فرغم أنه بدأ مغنيا، فأراه في التمثيل أقوى حتى من صوته القوي، وأعتبره أفضل مطرب ظهر على الشاشة ونجح في تقديم أدوار متنوعة.
بينما ترك باقي أبطال العمل بصماتهم، وخصوصا ناندا محمد في شخصية نادية الممرضة، التي أثارت ردود فعل وجدلا حول طريقة تقديم الشخصية، وهو في رأيي نجاح تام لها ودليل على أنها علمت مع الجمهور من أول جولة، لأن الشخصية التي تثير كل هذا الجدل بالتأكيد لم تمر مرور الكرام، ولن ننسيى الحضور القوي لكل من كمال أبو رية وسلوى محمد علي في دور والدي سلمى، إلى جانب علا رشدي ومحمد مهران ومحسن محي الدين وجميع الأبطال.
وفي النهاية، أعتقد أن نادين خان نجحت في رهانها منذ البداية، خاصة أنها تعاملت مع المستشفى باعتبارها عالما قائما بذاته وليس مجرد خلفية للأحداث، وهو ما كانت تعتبره بنفسها تحديا في التجربة، مع التصوير داخل مستشفى وتقديم الحالات بصورة قريبة من المجتمع المصري، فبنج كلي لم يكتف بتقديم دراما طبية، وإنما مزج بين المرض والخوف والصراع والطموح والعلاقات الإنسانية، ونجح في أن يجعلنا نرى الشخصيات كأشخاص حقيقيين قبل أن نراهم مجرد أدوار داخل مسلسل، وفي رأيي، من أول مشهد وحتى إسدال الستار، قدم العمل تجربة متماسكة استطاعت أن تترك أثرها لدى المشاهد.





