منال بيومي تكتب: سينما الهوية وعبور الحدود.. من إضاءة السهاري إلى فلسفة الصورة العالمية
في مقالي الأخير، تتبعت مسار التطور البصري في مصر، من إضاءة السهاري التي حفرت في ذاكرتنا، وصولاً إلى عصر الهندسة الضوئية المتطورة، لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن التطور التقني وحده لا يصنع لغة عالمية، إن المبدع المصري اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما أن يبقى حبيس المحلية، أو أن يمتلك الجرأة ليعيد تعريف هويته البصرية بلغة إنسانية عابرة للحدود.
أين تكمن الفجوة؟
كثيرون يظنون أن الوصول للعالمية يحتاج فقط إلى إمكانيات مادية ضخمة، لكن كمتخصصة ومتابعة، أرى أن الإمكانيات هي الأداة وليست الجوهر، الفجوة الحقيقية تكمن في عالمية الموضوع، نحن نصنع دراما تتحدث لغة مصرية خالصة، في سياق اجتماعي يخصنا وحدنا، وهذا رائع للهوية، لكنه يضع حواجز أمام المتلقي الأجنبي الذي قد لا يفك شفرات ثقافتنا الاجتماعية المعقدة الدراما العالمية، في جوهرها، تخاطب الإنسان أولاً، ثم تأتي التفاصيل المحلية كخلفية للصورة.
ما وراء الضوء: حين يصبح الكادر فلسفة لا تقنية
إن الفجوة التي تفصلنا عن العالمية ليست في حداثة عتاد الكاميرات أو نقاء وضوحها، فالعالمية لا تُقاس بمدى حدة الصورة وبريق ألوانها، بل بحجم الدهشة التي يتركها الكادر في نفس المشاهد، لقد تجاوزنا زمن لمبة السهاري التي كانت تحاول اختراق العتمة ببدائية مخلصة، لنقف اليوم أمام تحدٍ أكبر: كيف نطوع الضوء ليكون لغةً بصرية تتحدث عن وجع الإنسان وأحلامه؟ إن المخرج الذي يطمح للعالمية لا ينظر للضوء كأداة تقنية باردة، بل كعنصر درامي يغوص في أعماق الشخصيات.
في السينما العالمية، الضوء هو الراوي الخفي، فهو يحدد معالم الحزن على وجه البطل، ويرسم حدود العزلة في زوايا الغرفة، ويخلق توازناً بصرياً يجعل المشاهد يتماهى مع القصة دون أن يشعر بأنه أمام "صورة مصطنعة". نحن بحاجة إلى الانتقال من مرحلة تنوير الكادر إلى مرحلة هندسة ضوئية متطورة؛ فالمخرج الحقيقي هو الذي يجعل الضوء والظلال يتحدثان لغة واحدة، لغةً لا تحتاج لترجمة، لأنها تخاطب الوجدان البشري الذي يتشابه في كل مكان.
عقدة الموسم الواحد
مهمة المخرج في مصر غالباً ما تكون محكومة بسقف زمني ضيق، خاصة مع سباق رمضان، المخرج هنا يتحول إلى أسيرٍ لسباقٍ مع الزمن لتسليم الحلقات، بدلاً من أن يكون فنانًا متفرغاً لبناء عالم بصري متكامل، العالمية تحتاج إلى نفس طويل، وإلى تحرر من قيود التريند الذي يفرضه موسم العرض، العالمية تتطلب مخرجاً لا يكتفي بتنفيذ النص، بل يعيد صياغته بصرياً ليصبح مفهوماً في جميع أنحاء العالم، محتفظاً في الوقت نفسه بروح هويتنا التي تميزنا.
هل المخرج وحده المسؤول؟
ولكن، هل يمتلك المخرج في عالمنا العربي العصا السحرية؟ الإجابة هي أن المخرج، مهما بلغت عبقريته، يبقى قائد أوركسترا محكوماً بنوتة موسيقية - سيناريو- وميزانية إنتاج يوفرها المنتج، الوصول للعالمية يحتاج إلى منظومة إبداعية تبدأ من فكرة النص الموجهة لجمهور عابر للحدود، مروراً بإنتاج لا يضع سرعة العرض كأولوية قصوى على حساب جودة الصورة والعمق الدرامي.
بين المحلية الطموحة والعالمية المرجوة
إن حلم العالمية ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب منا أن نكف عن صنع دراما للاستخدام المحلي فقط، نحن بحاجة إلى مخرج يرى العالم في الكادر، ومنصة ترى في حكاياتنا المحلية قيمة إنسانية عالمية، لا يجب أن نغير شكل الدراما لنرضي خوارزميات المنصات ونفقد هويتنا، بل يجب أن نجعل هويتنا هي الجسر الذي يعبر بنا إلى العالم، فهل تكون البداية من هنا؟.



