كل النجوم صوت وصورة

«شارلي شابلن مصر» .. خبر أبيض يعرض صفحات من مذكرات نجيب الريحاني في ذكرى ميلاده

نجيب الريحانى
نجيب الريحانى

تحل اليوم الذكري 131 لميلاد عبقري الكوميديا نجيب الريحاني الذي حفر إسمه وإبداعاته بحروف من نور، من خلال الشخصيات التى قدمها على مدار مشواره، ولعل أبرزها شخصية «كشكش بك» التي ابتكرها واعتبرها السبب الرئيسي في نجاحه وأوصي قبل وفاته بأن توضع صورته بتلك الشخصية في القبر، فيما أطلق عليه لقب شارلي شابلن مصر لتمكنه من التعبير عن المواطن العادي ومشاكله وقضاياه الاجتماعية بشكل كوميدي ساخر.



 

 

 

 

 

تكشف صحافة زمان عن سطور من مذكرات نجيب الريحاني وكواليس شخصية كشكش بك والتي قال فيها: في مايو 1916، مازلت أذكر التاريخ تماماً .. هجرت فرقة الكوميدي العربي دون أن أفكر في العمل الذي أعيش منه، وظللت شهراً أقدح زناد الفكر وأعرض علي بساط البحث، اقتراحات كثيرة بمشروعات أعمال واسعة النطاق، النجاح فيها مضمون 24 قيراط ولكن أخ يا خسارة مفيش فلوس.

وتابع: في الساعة الواحدة ظهر أول يونيو عام 1916 كنت جالساً في بوفيه بتياترو برنتانيا، مفلس كالعادة .. و إذا بي أري شخصاً يهبط علي في سترة فاخرة وعصا ذهبية المقبض، وخاتم يلعب شعاعه بالنواظر .. فلما جلس بجانبي أخرج من جيبه علبة سجائر فاخرة من الفضة وفي حركة ارستقراطية فخمة.. ناولني سيجارة !! أتدري يا عزيزي القارئ من هو هذا الوارث العظيم الذي وصفته.. إنه إستفان روستي صديق العناء والشقاء، إستفان اللي كان زي حالاتي يشتهي سيجارة ماركة الحمل أو حتي ماركة الكوز!.  سألته: إيه يا ولد النعمة اللي ظهرت علي جتة اللي خلفوك دي ومنين العز ده كله!، تكونش سطيت علي خزنة البنك الأهلي .. ولا قتلت واحد بنكير ولطشت اللي في جيبه!، و بكل برود هز إستفان رأسه وقال: «لا هذا ولا ذاك .. المهم إن ربنا فرجها علينا والسلام»،  وبعد مناقشات لاستطلاع سر هذا الثراء المفاجئ ذكر لي إستيفان أن هناك كباريه خلف برنتانيا يطلقون عليه إسم «أبيه دي روز» وأنه وجد هناك عملاً يتقاضي عليه 60 قرشاً في كل مساء.

يضيف: وبدأ إستيفان يشرح لي ماهية عمله فإذا به يظهر خلف ستار أثناء انطفاء الأنوار في المحل فيؤدي من مكمنه هذا بعض الحركات الهزيلة .. يعني بالعربي «خيال ظل»، وفكرت مليا ثم وضعت يدي في جيبي فإذا بها تخرج بيضاء من غير سوء.. يعني من غير تشبيه ولا تمثيل الفلس ضارب أطنابه بشكل يخلي الواحد يبيع هدومه.

وأخيراً مددت يدي إلي إستيفان وقلت: مفيش عندكم شغلة لواحد زيي؟ أي دور خدام، سيد، بيه، أفندي، باشا، واحد مش لاقي اللضا، أي دور أنا قابل.. ثم مش طمعان كمان نص ريال في الليلة كويس قوي، وثمانية صاغ كمان رضا.

ويكمل الريحاني في مذكراته: في المساء تلاقينا أمام بيت أبيه دي روز، فقادني إلي صاحب الملهي، وكان إسمه الخواجة روزاني وكان إسكتش خيال الظل المزمع إخراجه في تلك الليلة يحتاج إلي خادم بربري، واتفق معي علي أن أجري سيكون 40 قرش يومياً، وأشفقت علي نفسي خوفا أن يكون هذا الرقم هو الراتب الشهري وليس اليومي وحين زالت معالم الدهشة من نفسي، هنائني إستيفان وقادني إلي مديرة المسرح.

وفي إحدي الليالي استلقيت في الفراش واستعرضت أمام مخيلتي كل ما مر بي من تجارب حلوها ومرها، ووقفت أمام الكثير منها أستخلص ما تبعها من خير أو شر، فإذا بي أجد مواضيع هي الترجمان الصادق لتلك الحياة التي نقضيها في هذا العالم المضطرب، وفي فجر هذه الليلة، ولست أدري كنت نائماً أم مستيقظاً.. و إنما الذي أؤكده أنني رأيت خيالاً كالشيخ يرتدي الجبة والقفطان وعلي رأسه عمامة ريفية كبيرة، فقلت في نفسي ماذا لو جئنا بشخصية كهذه وجعلناها عماد روايتنا.

يكمل: أيقظت أخي الأصغر، و كان لي خير عون وساعد ورحت أملي عليه الموضوع الذي صممت علي إخراجه و كان عبارة عن عمدة من الريف وفد إلي القاهرة، يحمل الكثير من المال فالتف به فريق من الحسان أضعن ماله وتركنه علي الحديدة، فعاد إلي قريته يعض بنان الندم، وعندما قارب الخواجة روزاتي صاحب الملهي علي الإفلاس، وكاد يغلق الملهي، تقدمت إليه أرجوه تأجيل النطق بالحكم بضعة أيام حتي أضع رواية تكون الدواء الشافي لداء الكساد، وقبل الرجل ما اقترحت عليه، ووضعت أولي رواياتي كشكش بك وكانت عبارة عن اسكتش فكاهي يستغرق 20دقيقة.

و في يوم الافتتاح كنا نجري البروفة النهائية وقد أحسست حين ذاك أن روايتي هذه تعتبر مثلاً أعلي للسخافة، وأنني لو كنت بين الجمهور أثناء تمثيلها لما وسعني الا أن ألعن المؤلف، والمؤلف بالطبع هو أنا والملحن هو أنا، أيضاً فقلت : أه يا وقعتي يا أنا وقبضت علي قلبي بيدي من هذه اللحظة حتي المساء.

يتابع حديثه: وانتهي العرض، ولا أدري علي أي حال انتهي، وهل نجحت الرواية أم سقطت؟، رأيت أن أرجئ الاستفسار عن هذا كله إلي اليوم التالي، لبست معطفي ورفعت ياقته أخفي بها أطراف وجهي عن الأعين، وتسللت علي مهل متخذاً طريقي إلي الخارج دون المرور علي الخزينة علي غير العادة، وفي اللحظة التي كدت أسلم فيها ساقي للريح عند الباب الخارجي لمحتني وكيلة الملهي، وكانت صديقة للخواجة فصرخت تناديني، وقفت في مكاني دون حراك «أخ جالك الموت يا تارك التياترو».

و جاءت إلي الفتاة تهنئني بحرارة وتحدثني أعذب حديث وتبتسم ابتسامة الإنشراح وجذبتني من يدي، فمشيت خلفها متثاقلاً إلي أن وجدتني وجه لوجه أمام الخواجة الذي استقبلني متهللاً، وصافحني قائلاً «مكنتش أعرف إنك ممثل عظيم بالشكل ده، إنت هايل قوي. مبروك مبروك»، ووضع الرجل يده في جيبه وأخرج 60 قرشاً و هو يقول: دي ماهيتك من النهاردة.

ومن هنا كانت الانطلاقة لتتوالى نجاحات الريحاني في رواياته وروائعه، إلي أن توفي متأثراً بمرض التيفويد عام 1949، تاركا تاريخه الطويل من الإبداع.

 

 

 

لا يوجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق