رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
كل النجوم صوت وصورة
رئيس التحرير التنفيذي
إلهامي سمير
facebook twitter youtube instagram tiktok

خواطر مجزية : ما لا يراه الجمهور

مجدي الهواري
مجدي الهواري

الغريب في صناعة الدراما أن الجمهور قد يشاهد في ليلة واحدة شيئًا أخذ من عمرك سنتين.

ثلاث حلقات تنتهي في ساعات.. لكن بالنسبة لك لم تكن ثلاث حلقات.

كانت سنتين من التفكير، والاجتماعات، والتطوير، والاختيارات، والتراجع عن اختيارات، والبدايات التي ظننت أنها النهاية، والنهايات التي اكتشفت أنها مجرد بداية جديدة.

هذا تقريبًا ما عشته مع «القصة الكاملة – دراما».

بدأ المشروع بحماس فكرة آمنت بها جدًا، وكعادة أي بداية، كنت أتصور الطريق أقصر مما كان عليه، لكن الوقت طال، والتفاصيل كثرت، والمسؤولية أصبحت أكبر، وتحول المشروع من فكرة أحبها إلى شيء يعيش معي كل يوم.

وهنا اكتشفت أن أصعب شيء في أي حلم ليس أن تؤمن به في البداية.. بل أن تظل مؤمنًا به عندما يتأخر.

لأنني، بصراحة، لم أكن طوال السنتين ذلك الرجل الصبور المطمئن الذي يعرف أن النهاية ستكون سعيدة.

تعبت.

وفي أوقات كثيرة أُحبطت.

وفي أوقات أخرى شعرت أن قدرتي على الانتظار انتهت، وأنني أعطيت المشروع أكثر مما أستطيع، وسألت نفسي أسئلة ربما لا يحب الإنسان الاعتراف بها بعد النجاح:

هو كل ده يستاهل؟
وإحنا مستنيين إيه؟
وإمتى الناس هتشوف أصلًا اللي إحنا شايفينه من سنتين؟

وأعتقد أن هذه هي المنطقة التي لا يراها أحد بعد خروج أي عمل للنور.

الجمهور يرى الحلقة.
يرى الممثل.
يرى الصورة والموسيقى والنهاية.
يحب أو لا يحب، يختلف أو يتفق، ثم ينتظر الحكاية التالية.

وهذا حقه تمامًا.

ليس مطلوبًا من الجمهور أن يعرف كم مرة فقدت أعصابك، أو كم ليلة نمت وأنت تحمل مشكلة لم تجد لها حلًا، أو كم قرارًا اتخذته ثم اكتشفت أن عليك أن تبدأ من جديد.

الجمهور ليس مطالبًا بدفع ثمن تعبك بالتعاطف معك.

هو يحاسبك على ما وصل إليه فقط.

لكن أنت، عندما تصل، من حقك أن تنظر إلى الخلف وتسأل سؤالًا مختلفًا:

ماذا فعلت هذه الرحلة بي؟

وهنا كانت المفاجأة بالنسبة لي.

عندما خرجت «القصة الكاملة» أخيرًا، وبدأت أرى الناس تتابع وتسأل وتناقش التفاصيل وتنتظر، لم تكن سعادتي فقط أن المشروع نجح في الوصول إليهم.

كان هناك إحساس آخر أعمق:

أن كل تلك الأيام التي ظننت في بعضها أنها تضيع… لم تكن تضيع.

وهنا فهمت معنى كنت أعرفه نظريًا، لكنني لم أعشه بهذا الوضوح من قبل:

ليس كل جهد يجب أن تحصل على مقابله فورًا.

نحن نتعامل مع الحياة أحيانًا كأنها كشف حساب.

عملت… أين المقابل؟
اجتهدت… أين النتيجة؟
وقفت بجوار شخص… ماذا فعل لي؟
أعطيت من وقتي… ماذا أخذت؟

ومع طول رحلة «القصة الكاملة»، بدأت أتعلم أن هناك حسابًا آخر لا أريد أن أراجعه كل يوم.

أسميه: الاستثمار مع الله.

أن تعمل بإخلاص حتى عندما لا يراك أحد.

أن تعطي أقصى ما عندك لشيء تؤمن به، من غير ضمان كامل للنتيجة.

أن تساعد إنسانًا ولا تنتظر أن يردها لك.

أن تفتح بابًا لموهبة.

أن تعطي فرصة.

أن تتحمل مسؤولية.

وأن تعتبر بعض ما بذلته في حياتك قد خرج من حسابات المكسب والخسارة البشرية… ودخل في حساب آخر عند الله.

ومن يومها بدأت أتصالح حتى مع الأشياء التي فعلتها ولم أحصل على مقابلها بالشكل الذي توقعته.

ربما المقابل لا يأتي من نفس الباب.

وربما لا يأتي في نفس الوقت.

وربما يأتي في صورة شخص، أو فرصة، أو رزق، أو نجاة من شيء لم تعرف أصلًا أنك كنت تحتاج أن تنجو منه.

وربما يكون أكبر عائد أنك أنت نفسك أصبحت شخصًا مختلفًا.

وأعتقد أن هذا تحديدًا ما فعلته بي السنتان.

لم تعلّماني الصبر فقط.

علمتاني أن الصبر نفسه ليس جميلًا طوال الوقت.

الصبر أحيانًا مرهق.

والإيمان أحيانًا يتعب.

والشغف نفسه يمكن أن يتحول في بعض الأيام إلى حمل ثقيل جدًا.

ومن حق الإنسان أن يقول: أنا تعبت.

المهم ألا يتخذ قرار نهاية الطريق في أكثر لحظاته تعبًا.

لأنني لو كنت حكمت على رحلة «القصة الكاملة» في إحدى لحظات الإحباط، ربما كنت سأراها بطريقة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي أراها بها اليوم.

وهذه ربما أهم خاطرة خرجت بها من التجربة: لا تحكم على الرحلة وهي في منتصفها لأن منتصف الطريق مكان سيئ جدًا للحكم على نهايته.

اليوم، عندما أرى ثلاث حلقات أمام الجمهور، أتذكر السنتين وراءها.

وعندما أرى مشهدًا يمر في دقيقتين، أعرف كم قرارًا وكم إنسانًا وكم ساعة من العمر كانت وراء هاتين الدقيقتين.

وعندما أرى الجمهور يناقش تفصيلة صغيرة، أبتسم أحيانًا لأنني أعرف أن هذه التفصيلة نفسها ربما أخذت منا أيامًا.

وهنا فقط تشعر أن الزمن الطويل لم يعد طويلًا كما كان يبدو وأنت بداخله.

هل كنت أتمنى أن تكون الرحلة أقصر؟

طبعًا.

هل كنت دائمًا صبورًا؟

أبدًا.

هل مررت بلحظات تمنيت فيها أن ينتهي كل شيء بأي شكل؟

كثيرًا.

لكن هل أتمنى الآن لو أنني لم أبذل كل هذا الجهد؟

لا.

لأنني تعلمت أخيرًا ألا أقيس قيمة ما بذلته فقط بما عاد إليّ منه.

هناك أشياء نفعلها من أجل النجاح.

وأشياء نفعلها من أجل الناس.

وأشياء نفعلها من أجل أنفسنا.

وهناك أشياء نضعها عند الله… ونمشي.

ربما لهذا أصبحت بعد «القصة الكاملة» أقل انبهارًا بلحظة الوصول، وأكثر احترامًا للطريق.

فالنجاح لحظة يراها الجميع…أما التفاني، فهو أيام وشهور وسنوات لا يعرف حقيقتها إلا من عاشها معك.

والله.

لذلك، لو سألتني اليوم عن أهم درس خرجت به من سنتين في «القصة الكاملة – دراما»، فلن أقول نجاح العمل، ولا ردود الفعل، ولا الأرقام.

سأقول:

ابذل ما تستطيع بإخلاص، لكن لا تقف كل يوم أمام الحياة تطالبها بكشف الحساب.

بعض ما زرعته سيعود إليك سريعًا.

وبعضه سيعود بعد سنوات.

وبعضه ربما لن تعرف أبدًا كيف عاد إليك.

أما ما فعلته بصدق ولم تجد له مقابلًا…

فاعتبره استثمارًا مع الله.

وصدقني…

هذا هو الاستثمار الوحيد الذي لا أخشى عليه من الخسارة

تم نسخ الرابط